Site icon المجرة برس

طارق عبد الغني يكتب.. قمح التقانت

<p>كان مساءً ريفيًا بملامح شتوية، يلفه نسيم بارد من نهايات الفصل&period; في حوشنا الواسع، تتناثر الأشياء دون نظام، أسرّة متناثرة، وإبرقين من البلاستيك بالوان مختلفة، وجردل أخضر يستند إلى سور من الطوب، يذود عن شتلة ليمون صغيرة تكافح البرد في وسط الحوش&period;<&sol;p>&NewLine;<p>في ركن قصي من هذا الفضاء، كنت أنا ووهمي ممددين على سرير متواضع الفراش، وإلى جانبي تربيزة حديد صغيرة عليها كيس &lpar;تمباك&rpar; وكوز ماء من الألمنيوم منزوع اليد&period; عند قدمي السرير، كانت &lpar;كلبتنا&rpar; تغط في نوم عميق، لا أدري من يحرس من، فهي دوما وديعة، صامتة، طوال الليل&period;<&sol;p>&NewLine;<p>القمر والمسيد ينسجان خيوطًا مشتركة من الضياء، تغمر بيوت الفريق البعيدة، بينما &lpar;كدايس&rpar; الجيران الشقية تتقافز بخفة ورشاقة &lpar;رونالدينيو&rpar; فوق الحيطان&period; ومن مكاني ذاك، كنت أسمع جدالًا محتدمًا بين ود الحاجة صاحب الدكان وأحد زبائنه حول دين قديم طال عليه الحول وانتهت صلاحيته&period;<&sol;p>&NewLine;<p>كان الليل يتمطى ببطء، والبرد يسري في الأطراف، والعيون تثقلها الرغبة في نوم دافئ&period; وقبل أن يختطفني النعاس، أخذت أذناي تلتقطان صوت طبل خافت قادم من بعيد&period; أغلب الظن أنه حفل عرس راقص في كمبو نبق بجوار الكنار الرئيسي شرق مدينتنا&period; تتزاحم في رأسي وقتها الأصوات، نباح الكلاب، نهيق الحمير، صرخات الأطفال، وأنين الريح يداعب في شجيرات النيم&period; وسط هذا كله، تسلل إلى سمعي صوت مغنٍ يردد&colon;<&sol;p>&NewLine;<p>&&num;8221&semi; أشوف بس طرفك النعسان&&num;8221&semi;<br &sol;>&NewLine;&&num;8221&semi; تخوني القوة والشدة&&num;8230&semi;&&num;8221&semi;<&sol;p>&NewLine;<p>فتبسّمت رغم النعاس، كأن الأغنية كانت تواسي تعب الليل&period;<&sol;p>&NewLine;<p>وبينما كنت أستجدي عيني ليغفوان، جاء طرق خفيف على الباب، أعقبه حديث أربكني في البداية، فظننت أن مكروهًا ألم بأحد من أهلي&period; لكن سرعان ما استعاد قلبي سكينته حين سمعت صوت عمي عبد العظيم يحدث جدي عن وصول &lpar;دقاقة القمح &rpar; إلى &lpar;نمرة الوحيل&rpar; على غير المتوقع&period;<&sol;p>&NewLine;<p>حينها أدركت أن ليلة السكون تحولت إلى مهمة رسمية، رحلة شاقة ستلتهم ما تبقى من الليل&period; لم تمض دقائق حتى صدرت الأوامر من جدي&colon;<&sol;p>&NewLine;<p> &&num;8220&semi;جهز الجوالات الفارغة واستعد&period;&&num;8221&semi;<&sol;p>&NewLine;<p>نهضت من سريري مطيعًا، أنظر بحسرة إلى &lpar;سفات الصعوت&rpar; التي تبصق في وجه التعاسة كل ليلة&period; تركت الحوش الواسع تحرسه كلبتنا الصامتة، وصعدت الكارو مع جدي وشمس الدين وود الكنين صاحب الكارو، بينما سبقنا عبد العظيم على حماره كوفد مقدمة&period;<&sol;p>&NewLine;<p>وفي الطريق، دار حديثهم حول تدخل الحكومة في محصول القمح، وكيف وضعت يدها عليه فخسرت أيدي المزارعين تعب الموسم&period; تحدثوا عن صدامات في قسم ودرعية والماطوري، وأنا صامت، لا يهمني من الأمر سوى مهمتي القادمة التي ستأخذني سهرا وتعبا&period;<&sol;p>&NewLine;<p>لم تستغرق رحلتنا أكثر من ثلث الساعة حتى بلغنا الحواشة&period; جلسنا ننتظر دورنا في وصول الدقاقة، نتابع من بعيد ذلك الوحش الحديدي وهو يهرس سيقان القمح دون رحمة&period; كان المشهد مزيجًا من الدهشة والرهبة والانتظار&period;<&sol;p>&NewLine;<p>وحين وصلت أخيرًا عند الرابعة صباحًا، كانت ترافقها عربات الحكومة الصغيرة، وكأنها تراقب أنفاس المزارعين&period; بدأت الدقاقة تدور في الحقل ذهابًا وإيابًا، تقذف الجوالات المملوءة بالقمح يمينًا ويسارًا، والكلّ يحسب، والكلّ يطمع، والجهد ضائع&period;<&sol;p>&NewLine;<p>وعندما انتهى الحصاد، كان تقدير جدي للأشياء دقيقًا، ستون جوالًا تمامًا&period; جاء وقت الحساب، وكان حسابًا مرًا&period; بين نصيب الدقاقة، وشريك جدي، والحكومة، لم يبق لجدي سوى جوالين اثنين&period; حملهما على الكارو بصمت ورضا، ووقتها كانت الشمس تبعث خيوطها الأولى على أرض أنهكها العطاء&period;<&sol;p>&NewLine;<p>سألته، وفي صوتي شيء من الغضب والسخرية&colon;<&sol;p>&NewLine;<p> &&num;8220&semi;جوالين فقط، يا جدي، بعد كل هذا الجهد والتعب والترقب&&num;8221&semi;<br &sol;>&NewLine;ابتسم جدي، وقال بثقة المؤمن&colon;<br &sol;>&NewLine;&&num;8220&semi;البركة في قمح التقانت&period;&&num;8221&semi;<&sol;p>&NewLine;<p>ابتلعت دهشتي، وضحكت بمرارة، وقلت ساخرًا&colon;<&sol;p>&NewLine;<p> &&num;8220&semi;المغني قال يا بنية من خبز الفنادك&&num;8230&semi;<br &sol;>&NewLine;وأنت يا جدي تقول البركة في قمح التقانت&excl;&&num;8221&semi;<&sol;p>&NewLine;<p>بالطبع لم يفهم جدي سخريتي، ولم أستوعب أنا يومها عمق ما قاله&period;<&sol;p>&NewLine;

Exit mobile version