
كان مساءً ريفيًا بملامح شتوية، يلفه نسيم بارد من نهايات الفصل. في حوشنا الواسع، تتناثر الأشياء دون نظام، أسرّة متناثرة، وإبرقين من البلاستيك بالوان مختلفة، وجردل أخضر يستند إلى سور من الطوب، يذود عن شتلة ليمون صغيرة تكافح البرد في وسط الحوش.
في ركن قصي من هذا الفضاء، كنت أنا ووهمي ممددين على سرير متواضع الفراش، وإلى جانبي تربيزة حديد صغيرة عليها كيس (تمباك) وكوز ماء من الألمنيوم منزوع اليد. عند قدمي السرير، كانت (كلبتنا) تغط في نوم عميق، لا أدري من يحرس من، فهي دوما وديعة، صامتة، طوال الليل.
القمر والمسيد ينسجان خيوطًا مشتركة من الضياء، تغمر بيوت الفريق البعيدة، بينما (كدايس) الجيران الشقية تتقافز بخفة ورشاقة (رونالدينيو) فوق الحيطان. ومن مكاني ذاك، كنت أسمع جدالًا محتدمًا بين ود الحاجة صاحب الدكان وأحد زبائنه حول دين قديم طال عليه الحول وانتهت صلاحيته.
كان الليل يتمطى ببطء، والبرد يسري في الأطراف، والعيون تثقلها الرغبة في نوم دافئ. وقبل أن يختطفني النعاس، أخذت أذناي تلتقطان صوت طبل خافت قادم من بعيد. أغلب الظن أنه حفل عرس راقص في كمبو نبق بجوار الكنار الرئيسي شرق مدينتنا. تتزاحم في رأسي وقتها الأصوات، نباح الكلاب، نهيق الحمير، صرخات الأطفال، وأنين الريح يداعب في شجيرات النيم. وسط هذا كله، تسلل إلى سمعي صوت مغنٍ يردد:
” أشوف بس طرفك النعسان”
” تخوني القوة والشدة…”
فتبسّمت رغم النعاس، كأن الأغنية كانت تواسي تعب الليل.
وبينما كنت أستجدي عيني ليغفوان، جاء طرق خفيف على الباب، أعقبه حديث أربكني في البداية، فظننت أن مكروهًا ألم بأحد من أهلي. لكن سرعان ما استعاد قلبي سكينته حين سمعت صوت عمي عبد العظيم يحدث جدي عن وصول (دقاقة القمح ) إلى (نمرة الوحيل) على غير المتوقع.
حينها أدركت أن ليلة السكون تحولت إلى مهمة رسمية، رحلة شاقة ستلتهم ما تبقى من الليل. لم تمض دقائق حتى صدرت الأوامر من جدي:
“جهز الجوالات الفارغة واستعد.”
نهضت من سريري مطيعًا، أنظر بحسرة إلى (سفات الصعوت) التي تبصق في وجه التعاسة كل ليلة. تركت الحوش الواسع تحرسه كلبتنا الصامتة، وصعدت الكارو مع جدي وشمس الدين وود الكنين صاحب الكارو، بينما سبقنا عبد العظيم على حماره كوفد مقدمة.
وفي الطريق، دار حديثهم حول تدخل الحكومة في محصول القمح، وكيف وضعت يدها عليه فخسرت أيدي المزارعين تعب الموسم. تحدثوا عن صدامات في قسم ودرعية والماطوري، وأنا صامت، لا يهمني من الأمر سوى مهمتي القادمة التي ستأخذني سهرا وتعبا.
لم تستغرق رحلتنا أكثر من ثلث الساعة حتى بلغنا الحواشة. جلسنا ننتظر دورنا في وصول الدقاقة، نتابع من بعيد ذلك الوحش الحديدي وهو يهرس سيقان القمح دون رحمة. كان المشهد مزيجًا من الدهشة والرهبة والانتظار.
وحين وصلت أخيرًا عند الرابعة صباحًا، كانت ترافقها عربات الحكومة الصغيرة، وكأنها تراقب أنفاس المزارعين. بدأت الدقاقة تدور في الحقل ذهابًا وإيابًا، تقذف الجوالات المملوءة بالقمح يمينًا ويسارًا، والكلّ يحسب، والكلّ يطمع، والجهد ضائع.
وعندما انتهى الحصاد، كان تقدير جدي للأشياء دقيقًا، ستون جوالًا تمامًا. جاء وقت الحساب، وكان حسابًا مرًا. بين نصيب الدقاقة، وشريك جدي، والحكومة، لم يبق لجدي سوى جوالين اثنين. حملهما على الكارو بصمت ورضا، ووقتها كانت الشمس تبعث خيوطها الأولى على أرض أنهكها العطاء.
سألته، وفي صوتي شيء من الغضب والسخرية:
“جوالين فقط، يا جدي، بعد كل هذا الجهد والتعب والترقب”
ابتسم جدي، وقال بثقة المؤمن:
“البركة في قمح التقانت.”
ابتلعت دهشتي، وضحكت بمرارة، وقلت ساخرًا:
“المغني قال يا بنية من خبز الفنادك…
وأنت يا جدي تقول البركة في قمح التقانت!”
بالطبع لم يفهم جدي سخريتي، ولم أستوعب أنا يومها عمق ما قاله.