المقالاتمميز

دكتور التجاني الطيب عبدالماجد الطيب يكتب إلى الشقيقة مصر… في يوم عيدها الوطني

23views

دكتور التجاني الطيب عبدالماجد الطيب يكتب

إلى الشقيقة مصر… في يوم عيدها الوطني

هناك دولٌ تُعرَف بحدودها، ودولٌ تُعرَف بتاريخها، لكن مصر تُعرَف بما هو أبعد من ذلك؛ تُعرَف بأثرها في وجدان الأمة، وبقدرتها على أن تكون، كلما ادلهمت الخطوب، ركناً من أركان الثبات العربي. لذلك فإن الاحتفاء بعيدها الوطني ليس مناسبة بروتوكولية، وإنما استدعاء لذاكرة أمةٍ كاملة، ولصفحاتٍ من المجد كُتبت بمداد التضحيات، واختلطت فيها دماء الأشقاء على أرض المعارك دفاعاً عن الكرامة والسيادة.
وحين نتحدث عن مصر، فإن السودان لا يتحدث عن جارٍ يجاوره، وإنما عن شقيقٍ يسكن وجدانه. فمنذ أن عرف التاريخ وادي النيل، لم يكن النيل نهراً يفصل بين شعبين، بل كان شرياناً يجمع حضارتين، ويصوغ مصيراً واحداً، حتى غدت القاهرة والخرطوم عنوانين لعلاقة لا تستطيع السياسة أن تختصرها، ولا تستطيع الأحداث العابرة أن تنال من رسوخها.
وفي أحلك اللحظات التي مرت بها الأمة العربية، لم يتردد السودان في أن يكون حيث ينبغي أن يكون. فعندما تعرضت مصر لعدوان يونيو عام 1967، لم ينكفئ السودان على همومه، ولم يكتف ببيانات التضامن، وإنما احتضنت الخرطوم القمة العربية الأشهر في التاريخ الحديث، لتخرج إلى العالم بإعلان سياسي صار جزءاً من الذاكرة العربية: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع إسرائيل. ومن قلب الخرطوم، اكتسب الموقف العربي صلابته، وأثبت السودان أن الكلمة الصادقة قد تكون في بعض المواقف أشد أثراً من المدافع.
ثم جاءت ساعة العبور في السادس من أكتوبر عام 1973، حين نهضت مصر تسترد أرضها وكرامتها، فلم يكن السودان بعيداً عن ميدان الشرف. فقد شاركت القوات المسلحة السودانية إلى جانب شقيقتها المصرية، وأرسلت وحداتها العسكرية إيماناً بأن معركة التحرير ليست معركة حدود، وإنما معركة أمة بأكملها. كما وقف الشعب السوداني، بكل أطيافه، خلف مصر، يساندها بالدعاء والموقف والدعم، مدركاً أن سقوط القاهرة لا قدر الله كان سيعني اهتزاز الأمن العربي كله، وأن انتصارها هو انتصار لكل عربي.
ولم تكن تلك المواقف وليدة حسابات سياسية آنية، وإنما كانت امتداداً لعقيدة راسخة في وجدان الشعب السوداني، ترى في أمن مصر جزءاً لا يتجزأ من أمن السودان، وفي قوة الجيش المصري قوةً للسند العربي، وفي استقرار القاهرة استقراراً لوادي النيل بأسره.
وكما حفظ التاريخ للسودان تلك المواقف، فإنه حفظ لمصر صفحات مشرقة في علاقتها مع السودان. فمنذ عشرات السنين، فتحت جامعاتها أبوابها لعشرات الآلاف من الطلاب السودانيين، واحتضنت مستشفياتها المرضى، واستقبلت أبناء السودان في أوقات الرخاء والشدة، وظلت حاضرة في كثير من المبادرات السياسية والتنموية، انطلاقاً من إيمانها بأن السودان ليس دولةً مجاورة فحسب، بل عمقها الجنوبي وشريكها الطبيعي في المستقبل.
وفي السنوات الأخيرة، حين عصفت بالسودان محن الحرب، كانت مصر من أوائل الدول التي فتحت حدودها وقلوبها للأشقاء السودانيين، فاستقبلت مئات الآلاف منهم، وتقاسمت معهم أعباء المرحلة، في موقفٍ لن ينساه السودانيون، لأنه جاء في وقتٍ كانت فيه الأخوة تُختبر بالأفعال لا بالشعارات.
ولعل ما يميز العلاقة بين السودان ومصر أنها لم تُبنَ على المصالح وحدها، وإن كانت المصالح المشتركة واسعة ومتعددة، وإنما تأسست على حقائق لا تتغير. فالنيل الذي يروي الأرض في البلدين يرمز أيضاً إلى وحدة الحياة والمصير، والتاريخ الذي جمع الشعبين عبر آلاف السنين لم يترك مجالاً لثقافة القطيعة، أما الأمن القومي، فقد أثبتت التجارب أنه كلما تناغمت رؤى الخرطوم والقاهرة، ازدادت المنطقة استقراراً، وكلما تباعدتا، اتسعت مساحات القلق.
إن المستقبل يفرض على البلدين أن ينتقلا من مرحلة حسن الجوار إلى مرحلة التكامل الحقيقي؛ في الاقتصاد، والزراعة، والتجارة، والطاقة، والنقل، والثقافة، والأمن. فالإمكانات الهائلة التي يمتلكها السودان، والخبرات المتراكمة التي تمتلكها مصر، إذا اجتمعتا في مشروع إستراتيجي واحد، فإنهما قادرتان على صناعة نموذج تنموي يليق بتاريخ وادي النيل.
وفي يوم عيدها الوطني، لا نكتب إلى مصر من موقع المجاملة، بل من موقع الوفاء. وفاءً لمواقف سجلها التاريخ، ولدماء امتزجت دفاعاً عن الأرض والكرامة، ولعلاقات شعبية ظلت أقوى من تقلبات السياسة، وأبقى من اختلاف الحكومات.
تحيةً لمصر، قيادةً وشعباً، وهي تحتفل بعيدها الوطني، وتحيةً لجيشها الذي سطر صفحاتٍ خالدة في الدفاع عن الوطن، وتحيةً لكل يدٍ مصرية امتدت إلى السودان بالمحبة والعون، كما نحيي السودان الذي ظل، وسيظل، وفياً لعهد الأخوة، مؤمناً بأن ما يجمع الشعبين ليس مجرد نهر، وإنما تاريخ، وهوية، ومصير.
سيبقى السودان ومصر… كما أرادهما التاريخ، وكما يتمناهما الشعبان: جناحي وادي النيل، إذا نهض أحدهما اشتد عود الآخر، وإذا تعرض أحدهما للخطر، وجد شقيقه واقفاً إلى جواره. وتلك ليست أمنية شاعر، بل حقيقة أثبتتها الأيام، وخلدتها صفحات التاريخ.

ليصلك كل جديد انضم لقروب الواتس آب

Leave a Response

خمسة عشر − 7 =