
أذكر، قبل أربعة أعوام، أن زميلًا صحفيًا، كان يتمتع بمكانة إعلامية وعلاقات واسعة، سأل أحد القادة في السلطة مستفسرًا عن أسباب الإبقاء على حميدتي في منصبه، وتركه يمارس تلك النشاطات التي كانت تتسع يومًا بعد آخر.
أتذكر ذلك الوقت جيدًا؛ فقد كان حميدتي يتوسع في مختلف أنحاء البلاد، ويبسط نفوذه في هدوء وسلاسة، دون أن يبدو أن هناك من يريد إيقاف هذا التمدد أو حتى مواجهته بجدية.
وكان رد ذلك القائد لافتًا، إذ قال: «حميدتي ده لو هبشناهو ح يحرق البلد».
واليوم، يبدو أن السيناريو نفسه يعيد إنتاج نفسه، ولكن بصورة مختلفة؛ قيادات تتمكن داخل السلطة عبر مواقعها ووزاراتها، وتتحرك بهدوء، وتبني نفوذًا واسعًا، بينما تتزايد معاناة المواطن يومًا بعد آخر.
وليس وزير المالية المحترم بعيدًا عن هذا المشهد، فالرجل يتحرك في مساحة واسعة من المال العام، وتدور حوله دوائر من المؤسسات والنشطاء والمناصرين، بل وحتى ساحات ورجال أشداء في الدفاع عنه والتصدي لأي انتقاد يوجه إليه، وكأن الأمر يمضي تدريجيًا نحو صناعة صورة الرجل الذي لا يُسمح بالاقتراب منه أو مساءلته.
والسؤال هنا ليس عن شخص الوزير بقدر ما هو عن أداء الدولة ومسؤوليتها تجاه المواطن.
فإذا كانت وزارة المالية هي الجهة المعنية بالاقتصاد ومعالجة الأزمات، فلماذا يشعر المواطن أن أبواب المساعدة لا تُفتح إلا وفق حسابات محددة؟ ولماذا تبدو الأولوية أحيانًا للجهات التي يعرفها المسؤول أو تنتمي إلى دوائره، بدلًا من أن تكون الأولوية للمواطن الذي يواجه أقسى الظروف المعيشية؟
والأخطر من ذلك، أن يتحول الدفاع عن المسؤول إلى معركة ضد كل من ينتقده، سواء كان النقد متعلقًا بقرار صغير أو قضية كبيرة، بما يخلق مناخًا لا يساعد على المراجعة أو التصحيح، بل قد يقود تدريجيًا إلى صناعة صورة تتجاوز حدود المنصب نفسه.
فلماذا لا ينظر وزيرنا المبجل إلى حال المواطن الذي أحرقته نار الأسعار؟
هل يعقل أن كل هذا الانهيار في القوة الشرائية، وتدهور العملة المحلية، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، يمكن التعامل معه باعتباره مجرد أرقام في تقارير اقتصادية؟
نحن نعيش حربًا فعلية، نعم، ولكن الحرب الاقتصادية لا تقل قسوة عن الحرب العسكرية حين يجد المواطن نفسه عاجزًا عن توفير احتياجاته الأساسية.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم هو: هل أصبحت حياة الناس ومعاناتهم أولوية فعلية لدى الحكومة؟
نأمل أن تخرج اللجنة التي كوّنها رئيس الوزراء، كامل إدريس، بنتائج حقيقية وقرارات تخفف وطأة هذه الأزمة الطاحنة عن المواطن، لا أن تكون مجرد لجنة أخرى تنتهي توصياتها إلى الأدراج.
فإن نجح رئيس الوزراء في وضع معاناة الناس في مقدمة أولوياته، وأثبت أن حياة المواطن وكرامته أهم من نفوذ الأشخاص ومصالح الدوائر، فربما نكون قد ظلمناه في أحكامنا السابقة.
وربما، أيضًا، نكون قد ظلمنا وزيرنا المحترم حين افترضنا أن المشهد لن يتغير.
فالسلطة التي لا تراقب تمدد النفوذ، سياسيًا كان أم اقتصاديًا، قد تستيقظ يومًا لتكتشف أن ما ظنته هدوءًا وسلاسة لم يكن سوى تمددٍ صامتٍ يصعب إيقافه.