
في مشهد وطني مفعم بالمعاني والدلالات، تؤكد الجمارك السودانية مرةً بعد أخرى أنها ليست مجرد مؤسسة تنفيذية معنية بالإجراءات واللوائح، بل هي جزء أصيل من نسيج هذا الشعب، ومنظومة وطنية تعمل بروح المسؤولية والانتماء، خاصة في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ السودان.
فمنذ اندلاع الحرب وما تبعها من ظروف استثنائية قاسية، وقفت الجمارك السودانية منذ الوهلة الأولى موقفًا متقدمًا في صف الوطن والمواطن، متآزرة مع أبناء السودان في الداخل والخارج، مسهّلة لكل العمليات التي يحتاجها السودانيون العائدون عودة طوعية، واضعة البعد الإنساني والاجتماعي فوق أي اعتبارات أخرى.
وقد تجلّى هذا الدور الوطني بوضوح في قرار الإفراج عن أمتعة السودانيين العائدين دون فرض أي رسوم جمركية، في خطوة تعكس عمق الإحساس بمعاناة المواطن، وتقدير حجم التحديات التي واجهها خلال فترة النزوح واللجوء. هذا الإجراء لم يكن مجرد إعفاء مالي، بل رسالة طمأنينة واحتواء، مفادها أن الوطن يفتح ذراعيه لأبنائه، وأن مؤسساته تعمل من أجلهم لا عليهم.
ولم تقف جهود الجمارك السودانية عند حدود الإعفاءات، بل امتدت لتقديم خدمات اجتماعية جليلة، وتسهيلات إجرائية، وحسن استقبال، يؤكد أن هذه المؤسسة “منهم ولهم”، تشاركهم الهم، وتفرح بعودتهم، وتؤمن بأن الإنسان هو أساس الإعمار وبداية الاستقرار.
ومع تزايد أعداد العائدين طوعًا، والتي بلغت الآن ما يقارب الملايين، ظل صوت الجمارك حاضرًا في كل المعابر والمنافذ، مرحِّبًا بهم بعبارة صادقة: عودًا حميدًا. عودة لا تعني فقط عبور الحدود، بل بداية مرحلة جديدة من العمل والبناء، واستعادة الأمل، والمشاركة الفاعلة في إعادة إعمار الوطن.
إن ما تقوم به الجمارك السودانية اليوم هو نموذج مشرف لمؤسسة وطنية أدركت دورها التاريخي، وأسهمت بالفعل لا بالقول في دعم الاستقرار، وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة. فبمثل هذه المواقف تُبنى الأوطان، وبسواعد العائدين وصدق المؤسسات يعود السودان أقوى وأكثر تماسكًا.