الإقتصاديةمميز

هل فشلت الدولة في التدخل لايقاف تصاعد سعر الصرف

14views

تقرير: شبكة الطابية الاخبارية

دخلت الحكومة السودانية مرحلة جديدة في تعاملها مع أزمة سعر الصرف، بإعلان مجلس الوزراء تشكيل خلية عاجلة لإدارة قضايا سعر الصرف، في وقت يواصل فيه الجنيه السوداني تراجعه أمام العملات الأجنبية، رغم حزمة من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة وبنك السودان المركزي خلال الأشهر الماضية.
ويطرح القرار سؤالاً أساسياً: هل تمثل الخلية استجابة جديدة لأزمة متفاقمة، أم أنها تعكس عدم نجاح الإجراءات السابقة في وقف انهيار الجنيه؟.

سلسلة من الإجراءات

منذ تصاعد الضغوط على سوق النقد الأجنبي، اتجهت الحكومة إلى استخدام عدة أدوات للحد من الطلب على العملات الأجنبية وزيادة المعروض منها.
ففي أبريل الماضي، صدر قرار بوقف استيراد 46 سلعة، تم تقليصها فيما بعد لـ 34، بهدف تقليل الطلب على النقد الأجنبي وتوجيه الموارد المحدودة نحو السلع الأساسية. إلا أن القرار لم ينجح في إحداث تحول واضح ومستدام في سوق الصرف، مع استمرار الطلب على الدولار وارتفاع أسعاره في السوق الموازية.
وفي يونيو، دخلت الحكومة مباشرة في استيراد الوقود، في محاولة لمعالجة أزمة الإمداد بعد خروج مصفاة الجيلي عن الخدمة. ورغم أهمية الخطوة في تأمين الوقود، فإنها فرضت في المقابل طلباً إضافياً على النقد الأجنبي، بما زاد الضغط على موارد الدولة من العملات الحرة.

وفي الشهر نفسه، اتخذ بنك السودان المركزي إجراءات جديدة بشأن شراء وتصدير الذهب، مستهدفاً زيادة تدفق حصائل الصادر إلى الجهاز المصرفي. وشملت الإجراءات تسهيلات في تصدير الذهب وخفض الحد الأدنى لعقود صادر الذهب الحر، إلى جانب تعزيز دور البنك المركزي في شراء الذهب.

كما لجأ البنك المركزي إلى ضخ كميات من النقد الأجنبي في المصارف لتمويل الاستيراد وتوفير العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية، مع إلزام المصارف باستخدام سعر الصرف الذي يحدده البنك المركزي في عمليات التمويل.

تراجع مؤقت.. ثم عودة الصعود

حققت بعض هذه الإجراءات تأثيراً مؤقتاً في السوق، إذ تراجع سعر الدولار في السوق الموازية خلال أواخر يونيو إلى نحو 5 آلاف جنيه، بعد أن كان يدور حول 5,100 جنيه.
لكن هذا التحسن لم يستمر. فمع نهاية أغسطس، قفز الدولار في السوق الموازية إلى نحو 6,600 جنيه، بزيادة تقارب 30% عن مستواه في نهاية يونيو.
وتكشف هذه الأرقام أن الإجراءات الحكومية، رغم تعددها، لم تتمكن حتى الآن من تغيير الاتجاه العام لسوق الصرف، إذ عاد الجنيه إلى مسار التراجع بعد فترات قصيرة من الاستقرار.

أين تكمن المشكلة؟

لا تبدو أزمة الجنيه مرتبطة بعامل واحد يمكن علاجه بقرار منفرد. فالحرب أضعفت الإنتاج والصادرات، وألحقت أضراراً واسعة بالبنية الاقتصادية والمصرفية، بينما تراجعت قدرة الدولة على توفير موارد مستقرة من النقد الأجنبي.
وفي المقابل، يستمر الطلب على الدولار لتمويل الواردات والوقود والاحتياجات التجارية، إلى جانب المضاربة واللجوء الواسع إلى السوق الموازية.
ولهذا فإن حظر بعض السلع، أو ضخ الدولار في المصارف، أو تعديل سياسات الذهب، يمكن أن يوفر مسكنات مؤقتة، لكنه لا يعالج أصل الاختلال ما لم يترافق مع زيادة حقيقية في موارد النقد الأجنبي وتقليص الطلب عليه.

من إدارة السوق إلى معالجة الاقتصاد

اللافت في تشكيل الخلية الجديدة أن مهامها تتجاوز التعامل المباشر مع سعر الصرف، لتشمل زيادة الإنتاج والإنتاجية، وتشجيع الصادرات، وإحلال الواردات، وتنشيط قطاعات التعدين والزراعة والثروة الحيوانية، وتشجيع الصناعات التحويلية، وتنظيم الشركات وأسماء الأعمال والوكالات التجارية.
وهذا التحول مهم؛ لأنه يعكس إدراكاً بأن استقرار الجنيه لا يمكن تحقيقه بالاعتماد على احتياطيات النقد الأجنبي وحدها، وإنما يحتاج إلى اقتصاد قادر على توليد الدولار بدلاً من الاكتفاء بإنفاقه.

فالذهب، على سبيل المثال، يمكن أن يكون مصدراً رئيسياً للعملات الأجنبية، لكن ذلك يتطلب إحكام السيطرة على عمليات الإنتاج والتجارة والتصدير وتقليص التهريب. كما تمثل الزراعة والثروة الحيوانية فرصاً كبيرة لزيادة الصادرات، شريطة معالجة مشكلات الإنتاج والنقل والتمويل والتسويق.

هل فشلت الحكومة؟

من المبكر القول إن الحكومة فشلت بالكامل في إدارة الأزمة، فقد نجحت بعض إجراءاتها في تحقيق نتائج مؤقتة، كما ساهم ضخ النقد الأجنبي وتنظيم عمليات الاستيراد في تخفيف الضغوط خلال فترات محددة.
لكن المؤشر الأهم هو النتيجة النهائية: الجنيه لم يستقر، والدولار ارتفع من نحو 5 آلاف جنيه في نهاية يونيو إلى نحو 6,600 جنيه في نهاية أغسطس.
وبهذا المعنى، يمكن القول إن الإجراءات السابقة لم تنجح حتى الآن في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في وقف التدهور المستمر للجنيه.

الاختبار أمام الخلية الجديدة

تشكيل خلية جديدة قد يوفر فرصة لتوحيد السياسات النقدية والمالية والتجارية، بدلاً من التعامل مع سعر الصرف من خلال إجراءات منفصلة.
لكن نجاحها سيتوقف على قدرتها على الانتقال من إدارة أزمة الدولار إلى معالجة أسبابها: زيادة الإنتاج والصادرات، ضبط الواردات دون الإضرار بالاقتصاد، مكافحة التهريب والمضاربة، استعادة الثقة في الجهاز المصرفي، وتحويل الذهب والزراعة والثروة الحيوانية إلى مصادر مستدامة للنقد الأجنبي.
فإذا ظلت الخلية تلاحق سعر الدولار بقرارات قصيرة الأجل وضخ محدود للنقد الأجنبي، فمن المرجح أن يتكرر السيناريو نفسه: استقرار مؤقت يعقبه ارتفاع جديد.
أما إذا نجحت في زيادة موارد البلاد من العملات الأجنبية وخفض الطلب غير الضروري عليها، فقد تكون الخلية بداية لسياسة أكثر فاعلية لإنقاذ الجنيه.
المشكلة، في نهاية المطاف، ليست في ارتفاع سعر الدولار وحده، وإنما في اقتصاد ينفق من النقد الأجنبي أكثر مما ينتج. وما لم يتغير هذا المعادلة، ستظل الحكومة تطارد سعر الصرف، بينما يواصل الجنيه رحلة الهبوط.

ليصلك كل جديد انضم لقروب الواتس آب

Leave a Response

خمسة − 4 =