
كتبت :د.فردوس عمر عثمان أبومدينة – بروفيسور مشارك بجامعة غرب كردفان : محيي الدين سالم.. عندما تتحدث الدبلوماسية بلسان رجلها
وزير صاغت الدبلوماسية خبرته وصقلت التجارب حضوره ويحمل في حقيبته هم السودان وفي شخصيته تواضع الإنسان ودفء العلاقات. فنحن نعيش مرحلة تتعاظم فيها التحديات التي تواجه السودان، وتشتد الحاجة إلى صوت وطني يعرف كيف يخاطب العالم ويعرض قضايا بلاده ويدافع عن مصالحها ومن هنا يبرز اسم السفير محيي الدين سالم أحمد إبراهيم وزير الخارجية والتعاون الدولي بوصفه أحد أبناء الدبلوماسية السودانية الذين تشكلت خبرتهم في أروقة المهنة وتدرجوا في مساراتها، وعرفوا أسرارها وأعرافها، حتى أصبحت الدبلوماسية جزءا اصيلا من تكوينهم المهني والوطني ومنذ توليه حقيبة الخارجية ظل حضوره في المحافل واللقاءات الإقليمية والدولية مرتبطا بقضايا السودان في واحدة من أكثر مراحل تاريخه تعقيدا. فبين اللقاءات الثنائية، والاتصالات مع المنظمات الإقليمية والدولية والمشاركة في المنتديات الدبلوماسية تتحرك وزارة الخارجية في مساحة تحتاج إلى خبرة في قراءة المواقف، وقدرة على عرض القضية الوطنية، ومهارة في إدارة الحوار مع أطراف تتباين مصالحها وحساباتها. لقد أظهرت تحركاته الدبلوماسية اهتماما بإبقاء السودان حاضرا في دوائر التواصل الدولي، وطرح قضاياه المتصلة بالحرب والسلام، وحماية المدنيين والأوضاع الإنسانية والعلاقات الثنائية. وفي هذه المساحة تتجلى أهمية الدبلوماسي الذي يعرف أن لكل محفل لغته، ولكل لقاء غايته، ولكل قضية مدخلها الذي يتيح إيصال الرسالة بأفضل صورة ممكنة. فالدبلوماسية ليست مجرد كلمات تلقى من على المنصات ولا صور تلتقط في قاعات الاجتماعات إنها معرفة متخصصة وحسن تقدير وقدرة على التحرك بين المواقف وبناء جسور التواصل واستثمار العلاقات في خدمة المصالح الوطنية. وهي فن لا يتقنه على الوجه الأكمل إلا من خبر مساراته وعرف متى يتحدث وكيف يعرض قضيته وأين يضع ثقله وكيف يجعل من الحضور وسيلة لإيصال صوت بلاده. ومن يتأمل مسيرة الوزير محيي الدين سالم يدرك أن خبرته المهنية هي أحد أبرز ملامح شخصيته العامة. فهو ابن مؤسسة دبلوماسية عريقة، تدرج في ميادينها وتعرف إلى طبيعة العمل الخارجي من مواقع متعددة حتى أصبح امتدادا لتجربة مهنية ارتبطت بتمثيل السودان وخدمة علاقاته. ولذلك، فإن وجوده على رأس وزارة الخارجية يحمل دلالة خاصة إذ يجتمع فيه شخصه الدبلوماسي الذي يعرف المهنة والوزير الذي يحمل مسؤولية توجيهها في ظرف وطني بالغ الحساسية. ولمحيي الدين سالم صلة خاصة بغرب كردفان وريف النهود، تلك البيئة السودانية التي تظل جزءا من ذاكرة أبنائها مهما اتسعت بهم ميادين العمل وتعددت مواقع المسؤولية. ومن الجميل في سيرة أبناء الوطن أن ينطلقوا من بيئاتهم المحلية إلى فضاءات أرحب، دون أن تنقطع صلتهم بجذورهم أو يفقدوا إحساسهم بالانتماء إلى المجتمع الذي خرجوا منه. فالمسؤولية الوطنية في جوهرها هي انتقال بخدمة الناس من الدائرة القريبة إلى الدائرة الأوسع حتى يصبح الوطن كله حاضرا في الوجدان والعمل. غير أن الصورة لا تكتمل بالحديث عن الدبلوماسي المخضرم والوزير الذي يتحرك في المحافل الدولية فهناك محيي الدين الإنسان وهو جانب يترك انطباعا طيبا لدى من عرفوه وتعاملوا معه. محيي الدين المتواضع، الذي لا تحجب عنه مسؤوليات المنصب بساطة التعامل، ولا تلغي مشاغل العمل العام صلته بالناس. إنه الوجه الاجتماعي الذي يحتفظ بدفء العلاقات، ويمنح التواصل الإنساني مكانه في حياته، رغم ما تفرضه المسؤولية الرسمية من أعباء وانشغالات. ومن أجمل ما يذكر في الرجل أن من يقصده في شأن يجد لديه أذنا تستمع واهتماما بفهم المشكلة ومحاولة للبحث عن حل. وهذه خصلة يعرف الناس قيمتها فكم من صاحب حاجة لا يريد أكثر من أن يجد من يصغي إليه ويفهم ظروفه ويعينه بما يستطيع. وليس معنى ذلك أن كل مشكلة تحل أو أن كل طلب يلبى وإنما أن الإنسان يجد أمامه إنسانا وأن المسؤولية لا تمحو التواضع وأن المكانة لا ينبغي أن تقطع جسور التواصل. محيي الدين الإنسان، ومحيي الدين المتواضع، ومحيي الدين الاجتماعي؛ ثلاثة أوجه تتكامل في صورة رجل لم تحصره المهنة في بروتوكولاتها، ولم تجعل منه المسؤولية شخصا بعيدا عن محيطه. فهناك فرق بين من يعرفه الناس بلقبه الرسمي وحده ومن يحتفظ في ذاكرتهم بمواقف إنسانية طيبة وبأسلوب في التعامل يبعث على الارتياح وبصلة اجتماعية تتجاوز حدود الواجب الوظيفي. ولعل هذه المساحة الإنسانية هي ما يمنح تجربته بعدا آخر فالدبلوماسي يتعامل مع الدول والمواقف والوزير يحمل ملفات وطنية كبيرة، أما الإنسان فيظل حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية وصلات المجتمع. وعندما تجتمع الخبرة المهنية مع التواضع وحسن المعاملة، تصبح صورة المسؤول أكثر قربا من الناس ويغدو الحديث عنه حديا عن تجربة مهنية وشخصية إنسانية في آن واحد. فمحيي الدين سالم في مسيرته الدبلوماسية وموقعه الراهن يمثل نموذجا للدبلوماسي الذي حملته سنوات العمل إلى موقع المسؤولية ومعه معرفة المهنة وذاكرة المؤسسة وخبرة التعامل مع العالم. وفي مرحلة يتطلع فيها السودانيون إلى استعادة بلادهم عافيتها ومكانتها، تكتسب جهود وزارة الخارجية أهمية خاصة، وتصبح الخبرة الدبلوماسية رصيدا وطنيا يستحق التقدير والإضاءة. وليس من المبالغة القول إن من أجمل ما يمكن أن يكتب عن رجل تولى مسؤولية بهذا الحجم أن تروى تجربته من جوانبها المتكاملة: خبرته التي صنعتها سنوات الدبلوماسية، وحضوره في ميادين العلاقات الدولية وصلته بقضايا السودان، ثم تواضعه وقربه من الناس. فهذه هي الصورة التي تجعل من الحديث عنه أكثر من سيرة منصب إنها حكاية رجل ارتبطت حياته المهنية بالدبلوماسية، وظل في علاقاته الإنسانية قريبا من المجتمع.
فمحيي الدين سالم رجل يعرف الدبلوماسية لأنها مهنته ويحمل الخارجية لأنها مسؤوليته ويحتفظ بقربه من الناس لأن التواضع جزء من إنسانيته. وفي هذه الصفات مجتمعة ما يجعل تجربته جديرة بالاحتفاء ومسيرته جديرة بالتوثيق، واسمه حاضرا في الحديث السوداني الرسمى والمجتمعي عن رجال الدبلوماسية السودانية الذين حملوا أعباء الوطن إلى ساحات العالم. فالوطن يحتاج إلى من يمثله بعلم وخبرة ويحتاج كذلك إلى من يحمل قضاياه بروح الانتماء ويظل قريبا من أبنائه مهما ابتعدت به مواقع المسؤولية. وتلك هي الصورة المضيئة التي نحتفي بها في محيي الدين سالم: دبلوماسي في خبرته وطني في رسالته وإنسان في تعامله.