عمر الكردفاني

بين زيادات الهيئات الحكومية والشركات وتعثر حقوق أساتذة الجامعات: أيّ عدالة يا سيادة الرئيس

4views

بين زيادات الهيئات الحكومية والشركات وتعثر حقوق أساتذة الجامعات: أيّ عدالة يا سيادة الرئيس

كتبت د.فردوس عمر عثمان أبومدينة
أستاذ مشارك

في الدول التي نهضت بالعلم يقف الأستاذ الجامعي في مقدمة السلم الوظيفي احترامًا لدوره في صناعة العقول وبناء المستقبل.
فقد طالعنا في الأيام الأخيرة صدور منشور من وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي يقضي بمنح دعم سكن للعاملين بالهيئات والشركات الحكومية ضمن تنفيذ موازنة العام 2026. وقد حدد القرار مبالغ شهرية متفاوتة تبدأ بخمسة ملايين جنيه لمديري الهيئات والشركات الحكومية، وتتدرج حتى مليون جنيه لفئة العمال.
من حيث المبدأ، فإن تحسين أوضاع العاملين بالدولة أمر مطلوب في ظل الضائقة الاقتصادية التي تطال الجميع. غير أن المشكلة لا تكمن في الزيادة نفسها بل في الفلسفة التي تحكم توزيعها فالعدالة في الدولة لا تتحقق بقراراتها ولكن باتساق معاييرها وشمولها لجميع من يخدمون الوطن.
فقد ربط القرار هذا الدعم بفئة وصفت بـ “المداومين”. وهنا يبرز سؤال لا يحتمل الغموض:
من هم المداومون؟
هل المداومة هي مجرد البقاء في مدينة بعينها أم هي الاستمرار في أداء الواجب العام مهما كانت الظروف التي تمر بها البلاد ؟
إذا كان معيار المداومة هو الاستمرار في العمل وخدمة الدولة فإن أساتذة الجامعات كانوا في طليعة المداومين. فقد واصلت الجامعات السودانية عملها في مختلف الولايات بالسودان وفي أحلك الظروف المعيشية حتى الساقطة في قبضة المليشيا المتمردة اتخذت مقرات بديلها لها في الولايات الآمنه وحافظت على استمرار العملية التعليمية في أصعب الظروف وأساتذتها وهم نازحين بدور الإيواء ولاجئين بدول الجوار واصلوا أداء رسالتهم عن بُعد (أونلاين)، حتى عندما توقفت مؤسسات كثيرة أو تراجعت قدرتها على العمل.
ووقتها لم يكن ينحصر دور الجامعات أكاديميا فحسب بل أسهمت كذلك في استقرار العاصمة وعودة الأسر إلى منازلها، لأن استمرارية الجامعات تعني استمرارية حياة آلاف الأسر المرتبطة بها، فالجامعة ليست مجرد قاعة درس، بل مؤسسة اجتماعية واقتصادية وثقافية تسهم في تثبيت المجتمع حولها.
فوجئنا بأن المفارقة الصادمة أن الزيادات الأخيرة التي أقرتها وزارة المالية أدت عمليًا إلى جعل العاملين بالهيئات والشركات الحكومية أعلى دخلًا من أساتذة الجامعات.
وهنا يبرز السؤال المؤلم حقا :
كيف يصبح الأستاذ الجامعي، الذي يحمل أعلى الدرجات العلمية ويقوم بتعليم الأجيال وصناعة المعرفة، أقل راتبًا من قطاعات أخرى في الخدمة العامة؟
وأي رسالة تبعث بها الدولة إلى المجتمع عندما يصبح البروفيسور في ذيل السلم المالي مقارنة بقطاعات إدارية أخرى؟
والأكثر إثارة للتساؤول هو حصر هذه الامتيازات في موظفي بورتسودان فقط، بينما يحرم منها العاملون الذين داوموا بعد عودة العمل إلى العاصمة أو في بقية الولايات. فإذا كانت المداومة معيارا للاستحقاق، فإنها لم تكن حكرًا على مدينة دون أخرى، بل كانت التزامًا وطنيًا شاركت فيه جميع مؤسسات الدولة في مختلف أنحاء البلاد.
فالعدالة لا يمكن أن تبنى على الجغرافيا المؤقتة للإدارة، وإنما على طبيعة الواجب الذي أداه العاملون في خدمة الدولة، ثم إن هذا الامتياز يثير تناقضًا واضحًا مع التصريح الذي أدلى به وزير المالية فقال : أن الدولة غير ملتزمة بصيانة مساكن المواطنين. السؤال؟ إذا كانت الدولة لا تتحمل مسؤولية صيانة مساكن الناس، فبأي فلسفة تقر بدلات سكن لقطاعات محددة دون غيرها، بينما يعيش بقية العاملين ذات الظروف المعيشية القاسية؟
الاهم من ذلك
وفي قلب هذا المشهد تقف قضية أساتذة الجامعات بوصفها مثالًا واضحًا لاختلال ميزان العدالة. فقد صدر قانون الإطاري للخدمة المدنية لسنة 2018 الذي نص بوضوح على خصوصية أعضاء هيئة التدريس والباحثون واستثناهم من قانون الخدمة المدنية، وأقر لهم لائحة خدمة خاصة وهيكلًا راتبيًا مستقلًا يراعي طبيعة دورهم العلمي والبحثي، وقاتلت فيه لجنة آساتذة الجامعات السودانية (لاجسو) ولكن المحزن أن هذا القانون ظل حتى اليوم بلا تنفيذ فعلي إذ لم تتم إجازة لائحة الخدمة ولا الهيكل الراتبي رغم مرور سنوات على صدوره.
وهكذا يجد الأستاذ الجامعي نفسه أمام مفارقة قاسية:
قانون يعترف بخصوصيته، وواقع إداري يتجاهل هذا الاعتراف.

إن الجامعات ليست عبئا على الدولة، بل هي أعظم استثمار في مستقبلها، والدول التي تهمل أساتذتها إنما تضعف قدرتها على النهوض العلمي والتنمية المستدامة.
فالقضية ليست مطلبا فئويًا ضيقًا بل قضية وطن يريد أن يبني مستقبله بالعلم والمعرفة.

*السيد رئيس مجلس السيادة:*
إن أساتذة الجامعات في السودان لم يكونوا يوما دعاة امتيازات بل كانوا دائما حُراس المعرفة وبُناة العقول. وقد ظلوا، رغم ضيق العيش وشظفه وقسوة الظروف، يؤدون رسالتهم العلمية والوطنية في صمت نبيل وبكل تجرد ومسؤولية، لكن العدالة التي ينتظرها أساتذة الجامعات اليوم ليست منحة تطلب، ولا امتيازًا يستجدى، بل حق اقره القانون منذ العام 2018، ولا يزال ينتظر إرادة الدولة لينتقل من النصوص إلى الواقع.
إن إنصاف الأستاذ الجامعي هو قرار سيادي يعكس موقع العلم في سلم أولويات الدولة، فالدول التي تكرم علماءها تبني مستقبلها بثقة، أما التي تتركهم في هامش الاهتمام فإنها تضعف أهم روافع نهضتها.

ولهذا نضع هذا الأمر بين أيديكم،
فهو قضية وطن فالمؤسسات العلمية التي يُصان فيها مقام الأستاذ هي الجامعة القادرة على بناء الإنسان السوداني وصناعة الغد.
فالتاريخ لا يسجل عدد القرارات التي تصدرها الدول
بل يدون أي العقول أنصفت… وأيها تركت تنتظر العدالة

هذا مع كامل الاحترام والتقدير

ليصلك كل جديد انضم لقروب الواتس آب

Leave a Response

2 × 5 =