قراءة نقدية في خطاب “التوازن” حول إضراب أساتذة الجامعات السودانية : بين مشروعية المطالب وانحراف التأطير

قراءة نقدية في خطاب “التوازن” حول إضراب أساتذة الجامعات السودانية : بين مشروعية المطالب وانحراف التأطير
كتبت د.فردوس عمر عثمان أبومدينة
إلى الدكتور أيمن هاشم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولا/ يقدم المقال خطابا يبدو متوازنا في ظاهره، غير أنه عند الفحص الدقيق يكشف عن اختلال في بناء الحجة يتمثّل في الجمع بين الإقرار بعدالة مطالب أساتذة الجامعات السودانية ثم تفريغ هذا الإقرار من أثره العملي عبر التشكيك في الوسائل التي لجؤوا إليها. ذلك أن الحكم على الوسيلة لا يكون بمعزل عن سياقها التاريخي والإجرائي، بل يقاس بمدى استنفاد البدائل الأخرى. ومن الثابت في هذا الملف أن الإضراب لم يكن خيارا ابتدائيا، بل جاء بعد مسار طويل من المذكرات والوعود والقرارات والقوانين غير المنجزة وهو ما يجعل وصفه بالتعجل أو عدم الحكمة توصيفا يفتقر إلى الدقة المنهجية(راجع تاريخ القضية).
ثانيا/إن إثارة مسألة “توقيت التصعيد” في ظل الظروف التي تمر بها البلاد تنطوي على مغالطة ضمنية مفادها تعليق الحقوق على الأزمات. بينما تشير الأدبيات الحديثة في إدارة القطاعات الحيوية إلى أن الأزمات تقتضي تعزيز أوضاع الفاعلين الأساسيين فيها، لا إضعافهم. فالأستاذ الجامعي ليس عنصرا هامشيا يمكن تأجيل حقوقه دون كلفة بل هو ركيزة في بناء الاستقرار الاجتماعي وإن أي تدهور في وضعه ينعكس بالضرورة على جودة التعليم واستدامته وينسحب على استقرار المجتمعات.
ثالثا/ ربط الإضراب بالإضرار بمصلحة الطلاب، فهو اختزال لعلاقة سببية مركبة في عامل واحد، وتجاهل للسبب البنيوي الأعمق. فالإضراب في هذه الحالة هو نتيجة لا سببا أصيلا، لسياسات أفضت إلى تدهور بيئة التعليم العالي. والضرر الحقيقي الذي يلحق بالطلاب لا يتمثل في تعليق مؤقت للدراسة، بقدر ما يتمثل في استمرار تعليم يقدمه أستاذ مثقل بالضغوط المعيشية أو في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الجودة.
رابعا/ تتكرر في المقال الدعوة إلى الحوار والتدرج، وهي دعوة من حيث المبدأ لا يختلف حولها، لكنها تطرح هنا بمعزل عن سؤال جوهري يتعلق بفاعلية هذه الأدوات. إذ إن الوقائع تشير إلى أن قنوات الحوار قد استنفدت في هذا الملف دون نتائج ملموسة مما يجعل إعادة طرحها بوصفها البديل الوحيد نوعا من إعادة إنتاج الأزمة لا حلا لها.
خامسا/ ينزلق الخطاب إلى التشكيك في دوافع بعض الداعين إلى الإضراب بالإشارة إلى استفادتهم السابقة من امتيازات أو مواقع.
وهذا المسلك يعد خروجا عن مقتضى التحليل العلمي، لاعتبارات ثلاث :
1. استقلالية القضية عن الأفراد:
فمشروعية المطالب لا تقاس بسير حامليها.
2. غياب التوثيق المنهجي:
إذ تطرح الاتهامات في صيغة تعميمية دون أدلة محكمة .
3. مغالطة الشخصنة:
حيث يتم استبدال مناقشة الحجة بالطعن في صاحبها، وهو ما يضعف البناء الاستدلالي للنص.
سادسا/ يقدم الخطاب تمايزا ضمنيا بين فئتين: مؤيدون للإضراب تحيط بهم الشبهات ورافضون يجسدون الإخلاص المهني.
وهذا التقسيم لا يصمد أمام الفحص، إذ يتجاهل الطبيعة التعددية للمواقف داخل الوسط الأكاديمي، ويسهم في خلق استقطاب يضعف وحدة الجسم المهني بدلا من أن يعزز من قدرته التفاوضية.
سابعا/الحكمة في معناها الإجرائي لا تعني تجنب الوسائل الضاغطة مطلقا، بل تعني اختيار الوسيلة الملائمة لمرحلة الصراع، بعد استنفاد البدائل الأقل كلفة.
وعليه فإن الإضراب، إذا جاء في سياق تراكمي، واستند إلى مطالب واضحة، والتزم بالسلمية، يعد أداة مشروعة ضمن ترسانة العمل النقابي لا خروجا عليها.
وأخيرا إن معالجة أزمة التعليم العالي في السودان لا تحتمل اختزالها في ثنائية “عدالة المطالب” مقابل “حكمة الوسائل”، بل تستدعي مقاربة شمولية تعيد ترتيب المسؤوليات وفق منطقها الصحيح.
فاستقرار الجامعات لا يتحقق بتقييد أدوات المطالبة بالحقوق، بل بتأسيس بيئة تنصف القائمين عليها.
وبعبارة جامعة :
لا تعارض بين حق عادل ووسيلة ضاغطة، إذا كانت تلك الوسيلة ثمرة انسداد، لا رغبة تصعيد.
هذا مع فائق الود